أفلوطين
224
أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )
وترادفها ؛ ثم يسمع نغماتهم العالية النقيّة الصافية المعجبة المطربة التي لا يملّ سامعها ، بل كلما سمعها ازداد إليها شهوة وبها طربا ومنها عجبا ، ويعلم حينئذ أن النغمات الحسية إنما هي أصنام ورسوم لتلك النغمات . وكذلك جميع ما يدركه هناك يجد في عالم الحس أصناما « 1 » له ، وتلك هي الحقائق . وكذا إذا أدرك تلك الآنيات الشريفة العالية وارتقى منها إلى المبدأ الأوّل الذي جميع الآنيات منبجسة من ينبوع جوده - هان عليه هذا العالم الحسىّ المموّه المعجون بطين الخيال المخمّر بأصناف الشرور ، السريع الاستحالة والزوال . قال أفلاطون : العقل دائرة لنقطة محيطة بما فيها من الزوايا والأضلاع ، ودائرة لنقطة غير متجزئة . فهو نقطة بمعنى أن الكل أنشئ منه وبه [ 166 ] وهو دائرة بمعنى أنه يحيط بجميع ما كان مبزورا فيه . الطبيعة لا تصنع صفات الأشياء كلها معا . فلذلك صارت الأشياء الطبيعية تقبل الزيادة والنقصان . وأما الأمور في العالم العقلي فلا تقبل الزيادة والنقصان لأن مبدعها تام كامل وفوق التمام ولذلك أبدع ذواتها وصفاتها معا في دفعة واحدة ، فلذلك صار « ما هو » و « لم هو » واحدا بعينه ، لأن الأشياء لم تبدع برويّة ولا فكرة ، ولذلك صار عالم العقل لا يقبل الزيادة والنقصان . وأما عالم الحسّ فهو يقبل ذلك ، ومبتدؤه غير نهايته ، فلذلك صار « ما هو » مخالفا فيه « لم هو » ، لأن مبدأ كونه قبل تمامه ويوجد شيئا بعد شئ . من أراد أن يصف الإنسان فإنما يصف صورة الإنسان . وكلّ من أراد أن يحد الأمور بحدود حقيقية فلا بدّ له من التصريح بالصورة . وإن أخلّ بها واقتصر على المادة أو على الفاعل والغاية لم يكن يعمل شيئا ولا يفهم شيئا . وإن هو اقتصر على الصورة وحدها كفاه ، ولا سيما إن كانت الصورة هي الغاية وهي الفاعل . البزر والحبوب وزروع الحيوان - في كل شخص منها كلمة . وإنما قلنا إن لها أنفسا وكلمات فواعل « 2 » لما يظهر من اختلاف أفاعيلها . وليس بعجب أن تكون لهذه كلها كلمات فعّالة ، لأن الكلمات الفواعل إنما هي أفعال النفس . فإن كانت النفس فيها الكلمات الفعالة ، فهذه الكلمات تفعل الهيئات والنطق وسائر الأنفس الطبيعية .
--> ( 1 ) ص : أصناف . ( 2 ) راجع ص 144 س 2 وما يليه .